الدوافع والأسباب المؤدية للإلحاد !

سقطرى اليوم - مقالات رأي - كتب/ عبدالحكيم الجابري

تتعدد الأسباب والدوافع المؤدية للالحاد أو التشكيك بالدين، منها التأثر بالشبهات التي تثار حول الدين، وأخرى لأسباب اجتماعية مثل الكبت ومخالطة قرناء السؤ والتفكك الأسري وغيرها، ويظل العامل النفسي هو السبب الأبرز عند كثير ممن وقعوا في الالحاد، بما في ذلك كبار الملحدين في العالم من مختلف الاديان.

وعندما نقول ان للعامل النفسي النصيب الأكبر في الحاد الملاحدة، انما نقصد بأن هؤلاء لم يعتمدوا الجانب العلمي في ذلك، وكانت العاطفة والمؤثرات الأخرى هي الدافع الرئيس لهم، ونعتمد في قولنا هذا على اعترافات وشهادات عدد من الملاحدة الكبار، ومن هؤلاء بول فيتز عالم النفس الأمريكي الشهير، الذي خاض تجربة الالحاد لسنوات طويلة ومن ثم تراجع عن ذلك، وألف كتابا بعنوان (سيكلوجية الالحاد)، ركز فيه على الاسباب النفسية التي دفعته للالحاد، مؤكدا انها هي ذاتها الاسباب التي تدفع بقية الملحدين.

يقول فيتز في كتابه “سيكلوجية الالحاد”: ان الأسباب التي جعلتني ملحدا ومتشككا عندما كان عمري 18 سنة الى 38 سنة، كانت أسبابا سطحية، وغير منطقية، وبلا نزاهة فكرية أو أخلاقية، وأنا مقتنع أن الأسباب نفسها هي الشائعة الآن بين المفكرين”، يعد ذلك اعترافا شجاعا من واحدا من رموز الالحاد في العصر الحديث، الى جانب انه شخصية علمية متخصصة في العلوم النفسية، مايجعل لكلامه مصداقية وقبول أكثر من أي كلام يأتي من شخص آخر.

في عام 2011 أجرت جمعية علم النفس الأمريكية دراسة لمعرفة الدوافع المؤدية بالملاحدة الى انكار وجود الله، وتوصلت الى ان مانسبتهم 44% من هؤلاء كانت دوافعهم عاطفية محضه، وأجرت الجمعية نفسها دراستين اخريتين في عام 2016، ارتفعت نسبة الملاحدة الذين وقعوا في الالحاد لأسباب ماعانوه في حياتهم من احباطات، ومشاكل اجتماعية وحقوقية، فكانت في الدراسة الأولى 54%، لترتفع النسبة في الدراسة الثانية الى 72%.

تؤكد اعترافات عالم النفس الأمريكي فيتز وكذلك الدراسات التي أجرتها جمعية علم النفس الأمريكية، ان الدوافع النفسية والعاطفية هي الأسباب الرئيسة في الحاد هؤلاء الملاحدة، وهي بعيدة عن أي أسباب علمية أو منطقية، خاصة انها كشفت ان الملاحدة الذين أجريت عليهم الدراسات، كانوا يشعرون بأنهم كانوا يستحقون معاملة أفضل من تلك التي وجدوها خلال فترات حياتهم، ومنها حالات الضغوط الاجتماعية والعنف الممارس عليهم من قبل الآباء وغير ذلك من حالات القمع الاجتماعي.

وتؤكد كل التجارب وحياة كثير من الملاحدة صحة القول بأن البعد النفسي هو الحاضر بقوة في قرار الالحاد عند الغالبية الساحقة من الملحدين، وليس كما يحاول البعض القول انه لاسباب علمية ومنطقية، وهي محاولة فاشلة منهم لاستخدام العلم لجعل فكرة الحادهم مبررة.

هناك أيضا سبب آخر للالحاد وهو لا يبتعد عن الدافع النفسي، ويتعلق بالرغبة في التفلت من تبعات الايمان، اذ يفرض الايمان او التدين على معتنقه التزامات وواجبات عليه القيام بها، وعندما يحاول الشخص أن لا يلزم نفسه بتلك الواجبات فانه يلجأ لقرار الالحاد، على الرغم مما يحمله الايمان من قيم سامية، وما يبنيه التدين في النفس من أخلاقيات انسانية عظيمة، وحتى بالنظر لتجارب الملحدين خاصة كبارهم، سيجد الباحث انهم لم يكونوا نماذج تستحق الاقتداء واقتفاء أثارها، بل كانوا نماذج مشوهة أخلاقيا وسلوكيا، ومن هؤلاء على سبيل المثال ارنست همنجواي الاديب الامريكي الشهير، فقد كان كذوبا ومحتقرا للنساء ومات منتحرا، الاديب البريطاني ديكنز فهو يشجع على العلاقات الشاذة والغريبة، بما في ذلك العلاقات الجنسية مع الحيوانات أو مع المحارم، وهناك العديد من الأمثلة سيطول بنا المقام في ذكرها.

وهكذا يتضح تماما ان الالحاد سببه أولا التعبير عن ردة فعل نفسية، بعد تجارب مريرة مر بها الشخص في حياته تعرض فيها لأنواع من القمع أو الاضهاد الاجتماعي، وسبب آخر يتعلق بالرغبة في التخلص من التكاليف الدينية، وأن يحاول الشخص الوصول للارتياح الزائف، فيلجأ للكفر بالدين وانكار وجود الخالق، وكل ذلك لا يمت بصلة للعلم أو التجربة والبرهان بأي صلة، انما هي مسألة نفسية وعاطفية خالصة، هي نتاج للتعبير خاطئ عن رفض واقع أو للتأثر ببيئة سيئة كالعيش ومرافقة قرناء السؤ.

زر الذهاب إلى الأعلى