“الحرافيش” في حضرموت مجتمع موازي وظاهرة يجب معالجتها !!

سقطرى اليوم – مقالات رأي – كتب/ عبدالحكيم الجابري:

ليست سُمرة البشرة وحدها التي تجمع بين سكان هذه المخيمات الذين جاءوا الى حضرموت من محافظة الحديدة، بعد اعلان الوحدة اليمنية مباشرة، ولكن جامعهم الأكبر هو الفقر والحرمان.. قليل منهم من حالفه الحظ ووجد عمل يتعيش منه، ولكن أي عمل؟!

فهذه الشريحة التي لم تختر مصيرها بمحض ارادتها، ولكن حكمت عليها أن تعيش على الهامش، وسميت لذلك بشريحة المهمشين.

حتى المحظوظين من القادرين على العمل من أبناء هذه الشريحة، ليس أمامهم الا العمل أما في مجال اصلاح وخياطة الأحذية (اسكافي)، أو العمل في مجالي السباكة والنظافة، ومنهم عدد من المنخرطين في مشروع نظافة المكلا، وامتهان نسائهم وأطفالهم للشحاتة في الشوارع والأماكن العامة، أما الغالبية العظمى ومن بينهم كثير من الشباب والرجال فهم عاطلون عن العمل، ويعيشون حياة مزرية، ملؤها البؤس والشقاء، في ظل غياب الرعاية الحكومية لهم، بوصفهم مواطنين يمنيين، وكذلك تقصير المنظمات الأهلية (منظمات وجمعيات)، وعدم اهتمامها بهذه الشريحة كحالات انسانية، وانهم بشر يستحقون العيش في ظروف أفضل من ظروفهم الحالية بكثير.

عرف المجتمع الحضرمي بانفتاحه وتقبله للآخر، والترحيب به للعيش معه وفي كنفه، وهو ماجعل المجتمع الحضرمي واحدا من بين قليل من المجتمعات المتجردة من آفة العنصرية، ولا يحمل أفراده أي شعور بالضيق أو التأفف من الغرباء، بدليل ذوبان العديد من ذوي الأصول غير الحضرمية في هذا المجتمع، دون النظر الى أصولهم أو أجناسهم وألوانهم، فالمجتمع الحضرمي الذي يمكن تشبيهه بمجتمع هولندا في انفتاحه، يضم العشرات من الأسر والأشخاص الذين قدموا الى حضرموت من مشارق الأرض ومغاربها، وانخرطوا فيه وباتوا جزء لا يتجزأ من أفراده.

اسئلة عديدة تثيرها هذه الحالة محل حديثنا، منها لماذا لم ينخرط هؤلاء “المهمشون” في المجتمع الحضرمي بشكل كامل، وظلوا رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود من الزمن يعيشون على هامش المجتمع، في مخيمات مغلقة عليهم فقط، منتشرة في أطراف ومداخل المدن، ولا يزالون حتى اليوم لا يعرفون الا بالأخدام أو الحرافيش كما يحبذ الحضارمة اطلاقها عليهم؟! قطعا العيب ليس في المجتمع الحضرمي، الذي استقبل غيرهم من الأجناس والألوان وانصهرت فيه، ويظل السؤال، لماذا هذه الفئة فقط لم تندمج بشكل كامل في المجتمع الحضرمي حتى اليوم؟!، انها ظاهرة تستحق الدراسة من مراكز البحوث وجامعة حضرموت.

بغض النظر عن الاجابات عن الاسئلة السابقة، فإن الالتفات لهذه الفئة يظل مهم، نعم هو مهم من عدة نواحي، وأولها الناحية الانسانية، كونهم بشر ومن حقهم العيش في وضع يحفظ كرامتهم كآدميين، وتوفير للقادرين منهم الأعمال المناسبة، وتوفير التعليم والصحة لهم ولأبنائهم، والعمل على اخراجهم من الوضعية الحالية في عيشهم داخل هذه المخيمات..

كما ان هناك أهمية أخرى تتعلق بأمن المجتمع، فوجود هذه المخيمات تشكل مجتمع موازي، ووضعهم يكون بيئة مناسبة لانتاج أفراد مؤهلين لارتكاب أي نوع من الجرائم، الى جانب المنظر غير الحضاري لوجود هذه المخيمات في مداخل المدن وعلى أطرافها، خاصة مع التوسع العمراني
الذي تشهده مدن حضرموت، وسيكونون عامل معرقل لأي تطوير وتحسين لاضفاء جماليات على هذه المناطق.

انها مهمة كبيرة، ولابد من تظافر جهود مختلف الجهات الرسمية المعنية، الى جانب الجهات الأهلية كالجمعيات والمنظمات الانسانية، فمهمة هذه الجهات الارتقاء بالانسان الى المستوى الذي يستحقه، وقد جعل الله عز وجل الانسان أكرم خلقه، وعلينا جميعا السعي لتحقيق هذه الكرامة، من خلال تحسين ظروف عيشهم وادماجهم في المجتمع، والاستفادة منهم كطاقة بشرية في البناء والتنمية، عوضا عن التخلص من ظاهرة التسول، التي باتت مهنة كثير منهم خاصة النساء والأطفال، الى جانب اتقاء أي أضرار أمنية قد تتولد من اهمال أحوالهم وعدم معالجة هذه الظاهرة.

زر الذهاب إلى الأعلى